ابن قاضي شهبة
600
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
زرته مرارا ، وما كنت أقدّس في نفسي مع ما عهدته ، في سالف الزّمان عليه من الزّعارّة « 1 » ، وإيحاش النّاس ، والنّظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا ، وخيلاء ، واغترارا « 2 » ، بما رزق من البسطة في النّطق ، والخاطر ، والعبارة ، وطلب الجاه ، والعلوّ في المنزلة . أنّه صار على الضّدّ وتصفّى من تلك الكدورات . وكنت أظنّ أنه متلفّع بجلباب التّكلّف ، متلبّس بما صار إليه ، فتحقّقت بعد السّبر ، والتّنقير أنّ الأمر على خلاف المظنون ، وأنّ الرّجل أفاق بعد الجنون . وحكى لنا في ليال عن كيفيّة أحواله ، من ابتداء ما ظهر له من طريق التألّه ، وغلبة الحال عليه ، بعد تبحّره في العلوم ، واستطالته على الكلّ بكلامه ، والاستعداد الّذي خصّه اللّه به ، في تحصيل أنواع العلوم . وتمكّنه من البحث والنّظر ، حتى تبرّم بالاشتغال بالعلوم العريّة عن المعاملة ، وتفكّر في العاقبة ، وما ينفع في الآخرة ، فابتدأ بصحبة أبي عليّ الفارمذيّ « 3 » ، فأخذ منه استفتاح الطّريقة ، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام ، بوظائف العبادات ، والإمعان في النّوافل ، واستدامة الأذكار ، والاجتهاد والجدّ ، طلبا للنّجاة . إلى أن جاز تلك العقبات ، وتكلّف تلك المشاق ، وما حصل على ما كان يرومه . ثم حكى : أنه راجع العلوم ، وخاض في الفنون ، وعاود الجدّ في العلوم الدّقيقة ، والتقى بأربابها ، حتى تفتّحت له أبوابها ، وبقي مدّة في الوقائع ، وتكافؤ الآداب وأطراف المسائل . ثم حكى أنه فتح له باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء وحمله على الإعراض عمّا سواه ، حتى سهل ذلك عليه . وهكذا إلى أن ارتاض كلّ الرياضة ، وظهرت له الحقائق ، وصار ما كنّا نظن به ناموسا وتخلّقا ، طبعا وتحقّقا . وأنّ ذلك اثر السّعادة المقدّرة له من اللّه تعالى . ثم سألناه : عن كيفيّة رغبته في الخروج من بيته ، والرّجوع إلى ما دعي إليه من أمر نيسابور .
--> - طبقات الفقهاء الشافعية 1 / 260 - 262 . ( 1 ) الزّعارة : الشّراسة وسوء الخلق . ( 2 ) في سير أعلام النبلاء 19 / 324 : « واعتزازا » . ( 3 ) الفارمذيّ : نسبة إلى فارمذ : إحدى قرى طوس . وأبو عليّ الفارمذيّ هو : الفضل بن محمد بن علي ، لسان خراسان وشيخها ، توفي سنة 477 ه ، تاريخ الإسلام ( ترجمة 122 ) للذهبي .